محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يكنى أبا بكر
عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله
ما جمع ابن شهاب.
وقال مالك بن أنس: ما أدركت فقيها محدثا غير واحد. فقلت من هو? فقال ابن شهاب الزهري.
وعنه أنه قال: إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم والله لقد أدركت ها هنا، وأشار إلى مسجد رسول الله
سبعين رجلا كلهم يقول، قال فلان، قال رسول الله
فلم آخذ عن أحد منهم حرفا لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ولقد قدم علينا محمد بن شهاب الزهري وهو شاب فازدحمنا على بابه لأنه كان من أهل هذا الشأن.
وقال أيوب: ما رأيت أحدا اعلم من الزهري فقال صخر بن جويرية: ولا الحسن? قال ما رأيت أحدا أعلم من الزهري.
وعن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من افقه أهل المدينة? قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله
وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان أفقههم فقها وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب: وأما أغزرهم حديثا فعروة ابن الزبير ولا تشاء أن تفجر من عبيد الله بن عبد الله بحرا إلا فجرته. قال عراك، فأعلمهم عندي جميعا ابن شهاب فإنه جمع علمهم جميعا إلى علمه.
وعن معمر: قال رجل من قريش: قال لنا عمر بن عبد العزيز: أتأتون الزهري? قلنا نعم. قال: فأتوه فانه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه - قال: والحسن ونظراؤه يومئذ أحياء.
وقال سفيان: مات الزهري يوم مات وليس أحد اعلم بالسنة منه.
وعن ابن شهاب انه كان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته.
وعن الليث قال: ما رأيت عالما قط اجمع من ابن شهاب ولا أكثر علما منه، ولو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وان حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب لقلت لا يحسن إلا هذا. وان حدث عن القرآن والسنة كان حديثه جامعا.
وعن مالك بن أنس قال أول من دون العلم ابن شهاب.
قال الزهري: ما استعدت حديثا ولا شككت في حديث قط إلا حديثا واحدا فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت.
وعن يونس بن يزيد قال: سمعت الزهري يقول أن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك، و لم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذا رفيقا تظفر به.
وعن سفيان قال: سمعت الزهري يقول: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال.
وعن معمر، عن الزهري قال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم.
قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البعر.
وعن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب انه كان يكون معه في السفر. قال: فكان يعطي من جاءه وسأله حتى إذا لم يبق معه شيء تسلف من أصحابه فلا يزالون يسلفونه حتى لا يبقى معهم شيء، فيحلفون انه لم يبق معهم شيء فيستسلف من عبيده فيقول: أي فلان أسلفني وأضعف لك كما تعلم فيسلفونه ولا يرى بذلك بأسا فربما جاءه السائل فيقول: أبشر فسيأتي الله بخير. فيقيض الله لابن شهاب أحدا رجلين إما رجل يهدي له ما يسعهم وإما رجل يبيعه وينظره قال: وكان يطعمهم الثريد ويسقيهم العسل.
محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز
وعن أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد? قال: لا. فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك. قال: فما أمست إلا بعث إليها معاوية بمال فقالت ما أسرع ما ابتليت، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية فهي أم محمد وعمر وأبي بكر.
وعن الحارث بن الصواف قال: قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.
وعن سفيان قال: كان محمد بن المنكدر ربما قام من الليل يصلي ويقول كم من عين الآن ساهرة في رزقي.
وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح وكان محمد يرفع صوته بالحمد. فقيل له في ذلك فقال: يرفع صوته بالبلاء وأرفع صوتي بالنعمة.
عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك? فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم واخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي فقال: يا أخي ما الذي أبكاك قد رعت أهلك? فقال له إني مرت بي آية من كتاب الله عز وجل. قال: ما هي? قال: قول الله عز وجل وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47 قال: فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما. قال: فقال بعض أهله لأبي حازم جئنا بك لتفرج عنه فزدته. قال فأخبرهم ما الذي أبكاهما0
قال عمر بن محمد: كنت أمسك على أبي المصحف، قال: فمرت مولاة له فكلمها فضحك إليها. ثم أقبل يقول إنا لله إنا لله حتى ظننت أنه قد حدث شيء. فقلت: ما لك? فقال: أما كان لي في القرآن شغل حتى مرت هذه فكلمتها.
قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده، ويحفظه في دويرته وفي دويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم.
بعث محمد بن المنكدر إلى صفوان بن سليم بأربعين دينارا ثم قال لبنيه: يا بني ما ظنكم برجل فرغ صفوان لعبادة ربه عز وجل.
قال محمد بن المنكدر: بات عمر، يعني أخاه، يصلي وبت أغمز رجل أمي وما أحب أن ليلتي بليلته.
عن محمد بن المنكدر انه كان يضع خده بالأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.
وعن محمد بن سوقة قال: سمعت محمد بن المنكدر يقول: نعم العون على تقوى الله عز وجل الغني.
قيل لمحمد بن المنكدر: أي العمل احب إليك? قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي من لذتك? قال: الإفضال على الإخوان.
قال محمد بن المنكدر: الفقيه يدخل بين الله عز وجل وبين عباده، فلينظر كيف يدخل .....
عن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له: لم تجزع? قال: أخشى آية من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47 فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
وعن ابن زيد قال: أتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت فقال: يا أبا عبد الله كأني أراك قد شق عليك الموت? قال: فما زال يهون عليه الأمر وينجلي عن محمد حتى لكأن في وجهه المصابيح. ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك. ثم قضى رحمه الله.
عمر بن المنكدر
قالت أم عمر بن المنكدر لعمر: إني اشتهي أن أراك نائما. فقال: يا أماه والله أن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه أربي.
وعن سالم أبي بسطام قال: كان عمر بن المنكدر لا ينام الليل يكثر البكاء على نفسه فشق ذلك على أمه فقالت لأخيه محمد بن المنكدر: إن الذي يصنع عمر يشق علي فلو كلمته في ذلك. فاستعان عليه بابي حازم فقالا له: أن الذي تصنع يشق على أمك. قال: فكيف أصنع? إن الليل إذا دخل علي هالني فأستفتح القرآن وما تنقصني نهمتي فيه. قالا: فالبكاء? قال: آية من كتاب الله أبكتني قالا وما هي? قال: قوله عز وجل وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47.
بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال فجاء به الرسول فوضعه بين يديه فجعل عمر ينظر إليه ويبكي ثم جاء أبو بكر فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما. فاشتد بكاؤهم جميعا. فبكى الرسول أيضا لبكائهم ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ليستعلم علم ذلك البكاء فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد فقال محمد: سله فهو أعلم ببكائه فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير? قال: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيه نصيب فذلك الذي أبكاني قال: وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة، قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك فبكى وقال: هكذا يكون والله أهل الخير رحمه الله.
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف يكنى أبا إسحاق
ولي قضاء المدينة عن شعبة قال: كان سعد يصوم الدهر ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة.
وعن عبيد الله بن سعد الزهري قال: قال: عمى عن أبيه، قال: سرد أبي سعد ابن إبراهيم الصوم أربعين سنة.
وعن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: قيل له من أفقه أهل المدينة? قال: أتقاهم لربه.
وعن ابن سعد بن إبراهيم قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن.
وعنه قال: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين لم يفطر حتى يختم القرآن وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة. وكان كثيرا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين فيأكلون معه رحمه الله.
عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ابن عفان رحمهم الله روى عن أبيه.
كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت ثم يأمر بهم فيكسون ويدهنون ثم يعرضون عليه فيقول انتم أحرار لوجه الله استعين بكم على غمرات الموت. قال: فمات وهو قائم في مسجده يصلي السبحة، يعني الضحى.
ربيعة بن أبي عبد الرحمن
أن فروخا أبا عبد الرحمن أبا ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا وربيعة حمل في بطن أمه وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين آلف دينار. فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا وفي يده رمح فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه فخرج ربيعة فقال له: يا عدو الله أتهجم على منزلي? فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمي فتواثبا وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وجعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وأنت مع امرأتي. وكثر الضجيج فلما بصروا بمالك: سكت الناس كلهم. فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الديار. فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ مولى بني فلان. فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت: هذا زوجي، وهذا ابنه الذي خلفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعا وبكيا فدخل فروخ المنزل فقال: هذا ابني? قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار. فقالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام.
فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته وأتاه مالك بن أنس والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف المدينة وأحدق الناس به فقالت امرأته: اخرج فصل في مسجد رسول الله
فخرج فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاه فوقف عليه ففرجوا له قليلا ونكس ربيعة رأسه يوهمه انه لم يره فقال: من هذا الرجل? فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال أبو عبد الرحمن: لقد رفع الله ابني. فرجع إلى منزله فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحدا من أهل الفقه والعلم عليها. فقالت أمه: فأيما أحب إليك: ثلاثون آلف دينار أو هذا الذي هو فيه من الجاه? قال لا والله إلا هذا. قالت فإني أنفقت المال كله عليه قال: فوالله ما ضيعته.
وعن ابن زيد قال: مكث ربيعة دهرا طويلا عابدا يصلي الليل والنهار، فجالس القاسم فنطق بلب وعقل فكان القاسم إذا سئل عن شيء قال: سلوا هذا لربيعة.
وعن سوار بن عبد الله قال: ما رأيت أحدا أعلم من ربيعة الرأي قلت: ولا الحسن وابن سيرين? قال: ولا الحسن وابن سيرين.
وكان السفاح قد أقدم عليه ربيعة الانبار ليوليه القضاء فلم يفعل، وعرض عليه العطاء فلم يقبل.
وعن مالك قال لي ربيعة حين أراد الخروج إلى العراق: أن سمعت إني حدثتهم شيئا أو أفتيتهم فلا تعدني شيئا. فكان كما قال: لما قدمها لزم بيته فلم يخرج إليهم ولم يحدثهم بشيء حتى رجع قال مالك: لما قدم على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها. فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فأبى أن يقبلها.
كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يوما جالسا فغطى رأسه ثم اضطجع فبكى فقيل له: ما يبكيك? فقال رثاء ظاهر وشهوة خفية.
وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: لقد رأيت مشيخة المدينة وان لهم لغدائر وعليهم الممصر والمورد في أيديهم مخاصر، وفي أيدهم آثار الحناء في هيئة الفتيان ودين أحدهم ابعد من الثريا إذا أريد على دينه.
صفوان بن سليم الزهري مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف يكنى أبا عبد الله.
عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: عادلني صفوان بن سليم إلى مكة فما وضع جنبه في المحمل حتى رجع.
كان صفوان بن سليم في الصيف يصلي بالليل في البيت، فإذا كان الشتاء صلى في السطح لئلا ينام.
قال أبي ضمرة: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة.
وعن أبي علقمة المديني قال: كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد النبي
فإذا أراد أن يخرج بكى وقال: أخشى أن لا أعود إليه.
وعن محمد بن أبي منصور قال: قال صفوان بن سليم أعطى الله عهدا أن لا أضع جنبي على فراش حتى الحق بربي قال: فبلغني أن صفوان عاش بعد ذلك أربعين سنة لم يضع جنبه فلما نزل به الموت قيل له: رحمك الله ألا تضطجع? قال ما وفيت لله بالعهد إذا.
قال: فأسند فما زال كذلك حتى خرجت نفسه، قال: ويقول أهل المدينة، انه ثفنت جبهته من اثر السجود.
وعن أبي مروان مولى بني تميم قال: انصرفت مع صفوان بن سليم من العيد إلى منزله فجاء بخبر يابس فجاء سائل فوقف على الباب وسأل فقام صفوان إلى كوة في البيت فأخذ منها شيئا فأعطاه فاتبعت ذلك السائل لأنظر ما أعطاه. فإذا هو يقول: أعطاه الله افضل ما أعطى أحدا من خلقه فقلت ما أعطاك? قال: أعطاني دينارا.
وعن سفيان قال: جاء رجل من أهل الشام فقال: دلوني على صفوان بن سليم? فإني رأيته دخل الجنة فقلت: بأي شيء? قال: بقميص كساه إنسانا.
قال بعض إخوان صفوان: سألت صفوان عن قصة القميص قال: خرجت من المسجد في ليلة باردة فإذا رجل عريان، فنزعت قميصي فكسوته.
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها. قال: فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير معرفة فقال: يا عمر من هذا الرجل، ما رأيت سمتا أحسن منه? قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم. قال: يا غلام كيس فيه خمس مائة دينار. فآتى بكيس فيه خمس مائة دينار فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلي فوصفه للغلام حتى أثبته فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان فلما نظر إليه صفوان ركع وسجد ثم سلم واقبل عليه فقال: ما حاجتك? قال: امرني أمير المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك والي أن ادفع هذا الكيس وفيه خمس مائة دينار إليك وهو يقول: استعن بهذا على زمانك وعلى عيالك. فقال صفوان للغلام: ليس أنا بالذي أرسلت إليه. فقال له الغلام: ألست صفوان بن سليم? قال: بلى أنا صفوان بن سليم. قال: فإليك أرسلت. قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبت فهلم. فقال الغلام: فأمسك الكيس معك واذهب. قال: لا، إذا أمسكت كنت قد أخذت، ولكن اذهب فاستثبت فأنا ها هنا جالس. فولى الغلام فأخذ صفوان نعليه وخرج فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة.
أبو مصعب قال لي ابن أبي حازم: دخلت أنا وأبي نسأل عنه، يعني صفوان بن سليم وهو في مصلاه فما زال به أبي حتى رده إلى فراشه فأخبرتني مولاته أن ساعة خرجتم مات.
أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج
وعن سفيان قال: قيل لأبي حازم ما مالك? قال: ثقتي بالله عز وجل ويأسى مما في أيدي الناس.
قال أبو حازم: ما مضى من الدنيا فحلم وما بقي فأماني.
قال أبو حازم: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله إلا احسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز وجل إلا اعور فيما بينه وبين العباد. ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، انك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنفتك الوجوه كلها.
قال أبو حازم: إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية.
وعن سفيان قال: قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قدميه.
قال أبو حازم نعمة الله فيما زوي عني من الدنيا افضل من نعمته فيما أعطاني منها.
وقال أبو حازم: إن وقينا شر ما أعطينا لم نبال ما فاتنا.
قال أبو حازم: أن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى عيش من الدنيا يكفيك، وان كان لا يغنيك، ما يكفيك فليس شيء يكفيك.
بعث سليمان بن عبد الملك إلى حازم فجاءه فقال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت? قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فانتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال: صدقت، فكيف القدوم على الله عز وجل? قال: إما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم: قال: اعرض نفسك على كتاب الله عز وجل فانك تعلم ما لك عند الله قال يا أبا حازم وإني أصيب ذلك? قال: عند قوله إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم سورة الانفطار آية 14 فقال سليمان: فأين رحمة الله? قال قريب من المحسنين سورة الأعراف آية 56 قال: ما تقول فيما نحن فيه? قال. اعفني عن هذا قال سليمان: نصيحة تلقيها. قال أبو حازم: أن أناسا اخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماع من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم? فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا شيخ. قال أبو حازم: كذبت، أن الله تعالى اخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال سليمان: أصحبنا يا حازم تصب منا ونصب منك قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم? قال أخاف أن اركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات.
قال: فاشر علي. قال: اتق الله أن يراك حيث نهاك وان يفقدك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادع لنا بخير. قال: اللهم أن كان سليمان وليك فيسره للخير، وان كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام هات مائة دينار. ثم قال: خدها يا أبا حازم. فقال لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي.
فكأن سليمان أعجب بابي حازم. فقال الزهري: انه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط. قال أبو حازم: انك نسيت الله فنسيتني ولو أحببت الله لأحببتني. قال الزهري: أتشتمني? قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك. أما علمت أن للجار على جاره حقا قال أبو حازم: أن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء، تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا و لو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. قال الزهري كأنك إياي تريد وبي تعرض قال: هو ما تسمع.
كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك: أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله عليك فيما اصح من بدنك وأطال من عمرك وعملت حجج الله تعالى مما علمك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيه
فرمى بك في كل نعمة أنعمها عليك وكل حجة يحتج بها عليك الغرض الأقصى ابتلى في ذلك شكرك وأبدا فيه فضله عليك وقد قال عز وجل: لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد سورة إبراهيم آية7 فانظر أي رجل تكون إذا وقفت بين يدي الله عز وجل فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها فلا تحسبن الله عز وجل راضيا منك بالتعذير، ولا قابلا منك التقصير هيهات ليس ذاك اخذ على العلماء في كتابه إذ قال: لتبيننه للناس ولا تكتمونه سورة آل عمران آية 187 انك تقول انك جدل ماهر عالم قد جادلت الناس فجدلتهم وخاصمتهم فخصمتهم إدلالا منك بفهمك واقتدارا منك برأيك فأين تذهب عن قول الله عز وجل: ها انتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة سورة النساء آية 109 اعلم أن أدنى ما ارتكبت واعظم ما احتقبت أن آنست الظالم وسهلت له طريق الغي بدنوك حين أدنيت وإجابتك حين دعيت فما أخلقك أن ينوه غدا باسمك مع الجرمة، وان تسأل عما أردت بإغضائك عن ظلم الظلمة، انك أخذت ما ليس لمن أعطاك، جعلوك قطبا تدور عليه رحى باطلهم وجسرا يعبرون بك إلى بلائهم وسلما إلى ضلالتهم يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم لهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم فما ايسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما اقل ما أعطوك في قدر ما اخذوا منك، فانظر لنفسك فانه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حسابا رجل مسؤول وانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيرا وكبيرا وانظر كيف إعظامك أمر من جعلك بدينه في الناس مبجلا، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته مستترا، وكيف قربك وبعدك ممن أمرك أن تكون منه قريبا، ما لك لا تتنبه من نعستك. وتستقيل من عثرتك فتقول والله ما قمت لله عز وجل مقاما واحدا أحيي له فيه دينا ولا أميت له فيه باطلا? أين شكرك لمن استحملك كتابه واستودعك علمه? ما يؤمنك أن تكون من الذين قال الله عز وجل فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى الآية سورة الأعراف آية 169 انك لست في دار مقام قد أوذنت بالرحيل فما بقاء المرء بعد أقرانه? طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ما يؤمن من أن يموت وتبقى ذنوبه من بعده انك لم تؤمر بالنظر لوارثك على نفسك، ليس أحد أهلا أن ترد له على ظهرك. ذهبت اللذة وبقيت التبعة، ما أشفى من سعد بكسبه غيره. احذر فقد أتيت وتخلص فقد وهلت. انك تعامل من لا يجهل والذي يحفظ عليك لا يغفل.
تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن إني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين سورة الذاريات آية 55 أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه? وهل تراه دخر لك خيرا منعوه أو علمك شيئا جهلوه? فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحدث قي سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله? ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال أبو حازم: أن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فانه لو جاء يوم نفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا إلى كثير.
قال أبو حازم ويحك يا أعرج يدعى يوم القيامة بأهل خطيئة كذا وكذا فتقوم معهم، ثم يدعى بأهل خطيئة.
قال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح.
وعن محمد بن مطرف قال: قال أبو حازم: ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد الزق به شيء يسوءك.
وعن أبي حازم قال أن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها وما خلق الله من سيئة هي عليه اضر منها، وان العبد ليعمل السيئة ثم تسوءه حين يعملها، وما خلق الله عز وجل من حسنة انفع له منه، وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتجبر فيها ويرى أن له فضلا على غيره ولعل الله عز وجل يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا، وان العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل الله عز وجل يحدث له فيها وجلا فيلقى الله وان خوفها لفي جوفه باق.
كان أبو حازم يمر على الفاكهة فيقول: موعدك الجنة.
مر أبو حازم بجزار فقال: يا أبا حازم خذ من هذا اللحم فانه سمين قال: ليس معي درهم. قال أنظرك. قال: أنا أنظر نفسي.
وعن الفضل قال قال حازم المديني: وجدت الدنيا شيئين: فشيء منها هو لي فلن أعجله قبل اجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فلم أنله، فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقي، يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين افني عمري? ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين فشيء يأتي اجله قبل اجلي فاغلب عليه، وشيء يأتي اجلي قبل اجله فأموت واخلفه لمن بعدي، ففي أي هذين اعصي ربي عز وجل?.
قال أبو حازم: عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويدعون أن يعلموا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة????????????????.
قال أبو حازم: إني لأعظ وما أرى له موضعا وما أريد إلا نفسي، وقال: لو أن أحدكم قيل له ضع ثوبك على هذا الهوف حتى يرمى لقال: ما كنت لأخرق ثوبي، وهو يخرق دينه. وحلف أبو حازم لجلسائه: لوددت أن أحدكم يبقي على دينه كما يبقى على نعله..
قال أبو حازم أضمنوا لي اثنين أضمن لكم الجنة: عملا بما تكرهون إذا احبه الله تعالى، وترك ما تحبون إذا كرهه الله عز وجل.
قال أبو حازم يسير الدنيا يشغل عن كثير من الآخرة، وقال: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وما أكرهت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم.
وقال: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه ثم لا يضرك متى مت. وقال: انك لتجد الرجل يعمل بالمعاصي فإذا قيل له: أتحب أن تموت? قال: يقول: وكيف? وعندي ما عندي. فيقال له: أفلا تترك ما تعمل من المعاصي? فيقول: ما أريد تركه وما احب أن أموت حتى اتركه.
وقال: شيئان إذا عملت بهما أصبت بهما خير الدنيا والآخرة لا أطول عليك.
قيل: وما هما أنا أبا حازم? قال: تحمل ما تكره إذا احبه الله وتترك ما تحب إذا كرهه الله.
وعن محمد بن يحيى المازني قال: قال أبو حازم: رضي الناس من العمل بالعلم ومن الفعل بالقول.
وعن العمري قال: رأيت أبا جعفر القاري، يعني في المنام، على الكعبة فقلت له يا أبا جعفر قال: نعم اقريء إخواني مني السلام وخبرهم أن الله عز وجل جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، واقريء أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس فان الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: ما أرى أحدا جمع بعد رسول الله
وقال مالك بن أنس: ما أدركت فقيها محدثا غير واحد. فقلت من هو? فقال ابن شهاب الزهري.
وعنه أنه قال: إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم والله لقد أدركت ها هنا، وأشار إلى مسجد رسول الله
وقال أيوب: ما رأيت أحدا اعلم من الزهري فقال صخر بن جويرية: ولا الحسن? قال ما رأيت أحدا أعلم من الزهري.
وعن جعفر بن ربيعة قال: قلت لعراك بن مالك: من افقه أهل المدينة? قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله
وعن معمر: قال رجل من قريش: قال لنا عمر بن عبد العزيز: أتأتون الزهري? قلنا نعم. قال: فأتوه فانه لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية منه - قال: والحسن ونظراؤه يومئذ أحياء.
وقال سفيان: مات الزهري يوم مات وليس أحد اعلم بالسنة منه.
وعن ابن شهاب انه كان يقول: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته.
وعن الليث قال: ما رأيت عالما قط اجمع من ابن شهاب ولا أكثر علما منه، ولو سمعت ابن شهاب يحدث في الترغيب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وان حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب لقلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب لقلت لا يحسن إلا هذا. وان حدث عن القرآن والسنة كان حديثه جامعا.
وعن مالك بن أنس قال أول من دون العلم ابن شهاب.
قال الزهري: ما استعدت حديثا ولا شككت في حديث قط إلا حديثا واحدا فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت.
وعن يونس بن يزيد قال: سمعت الزهري يقول أن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك، و لم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذا رفيقا تظفر به.
وعن سفيان قال: سمعت الزهري يقول: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال.
وعن معمر، عن الزهري قال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم.
قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أهون عليه الدينار والدرهم من ابن شهاب، وما كانت عنده إلا مثل البعر.
وعن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب انه كان يكون معه في السفر. قال: فكان يعطي من جاءه وسأله حتى إذا لم يبق معه شيء تسلف من أصحابه فلا يزالون يسلفونه حتى لا يبقى معهم شيء، فيحلفون انه لم يبق معهم شيء فيستسلف من عبيده فيقول: أي فلان أسلفني وأضعف لك كما تعلم فيسلفونه ولا يرى بذلك بأسا فربما جاءه السائل فيقول: أبشر فسيأتي الله بخير. فيقيض الله لابن شهاب أحدا رجلين إما رجل يهدي له ما يسعهم وإما رجل يبيعه وينظره قال: وكان يطعمهم الثريد ويسقيهم العسل.
محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير بن محرز
وعن أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة فقالت: لك ولد? قال: لا. فقالت: لو كان عندي عشرة آلاف درهم لوهبتها لك. قال: فما أمست إلا بعث إليها معاوية بمال فقالت ما أسرع ما ابتليت، وبعثت إلى المنكدر بعشرة آلاف فاشترى منها جارية فهي أم محمد وعمر وأبي بكر.
وعن الحارث بن الصواف قال: قال محمد بن المنكدر: كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت.
وعن سفيان قال: كان محمد بن المنكدر ربما قام من الليل يصلي ويقول كم من عين الآن ساهرة في رزقي.
وكان له جار مبتلى فكان يرفع صوته من الليل يصيح وكان محمد يرفع صوته بالحمد. فقيل له في ذلك فقال: يرفع صوته بالبلاء وأرفع صوتي بالنعمة.
عن محمد بن المنكدر أنه بينما هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى فكثر بكاؤه حتى فزع له أهله فسألوه: ما الذي أبكاك? فاستعجم عليهم، فتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم واخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي فقال: يا أخي ما الذي أبكاك قد رعت أهلك? فقال له إني مرت بي آية من كتاب الله عز وجل. قال: ما هي? قال: قول الله عز وجل وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47 قال: فبكى أبو حازم معه واشتد بكاؤهما. قال: فقال بعض أهله لأبي حازم جئنا بك لتفرج عنه فزدته. قال فأخبرهم ما الذي أبكاهما0
قال عمر بن محمد: كنت أمسك على أبي المصحف، قال: فمرت مولاة له فكلمها فضحك إليها. ثم أقبل يقول إنا لله إنا لله حتى ظننت أنه قد حدث شيء. فقلت: ما لك? فقال: أما كان لي في القرآن شغل حتى مرت هذه فكلمتها.
قال محمد بن المنكدر: إن الله تعالى يحفظ المؤمن في ولده وولد ولده، ويحفظه في دويرته وفي دويرات حوله، فما يزالون في حفظ وعافية ما كان بين أظهرهم.
بعث محمد بن المنكدر إلى صفوان بن سليم بأربعين دينارا ثم قال لبنيه: يا بني ما ظنكم برجل فرغ صفوان لعبادة ربه عز وجل.
قال محمد بن المنكدر: بات عمر، يعني أخاه، يصلي وبت أغمز رجل أمي وما أحب أن ليلتي بليلته.
عن محمد بن المنكدر انه كان يضع خده بالأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.
وعن محمد بن سوقة قال: سمعت محمد بن المنكدر يقول: نعم العون على تقوى الله عز وجل الغني.
قيل لمحمد بن المنكدر: أي العمل احب إليك? قال: إدخال السرور على المؤمن، قيل: فما بقي من لذتك? قال: الإفضال على الإخوان.
قال محمد بن المنكدر: الفقيه يدخل بين الله عز وجل وبين عباده، فلينظر كيف يدخل .....
عن عكرمة عن محمد بن المنكدر أنه جزع عند الموت فقيل له: لم تجزع? قال: أخشى آية من كتاب الله عز وجل، قال الله عز وجل: وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47 فإني أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
وعن ابن زيد قال: أتى صفوان بن سليم إلى محمد بن المنكدر وهو في الموت فقال: يا أبا عبد الله كأني أراك قد شق عليك الموت? قال: فما زال يهون عليه الأمر وينجلي عن محمد حتى لكأن في وجهه المصابيح. ثم قال له محمد: لو ترى ما أنا فيه لقرت عينك. ثم قضى رحمه الله.
عمر بن المنكدر
قالت أم عمر بن المنكدر لعمر: إني اشتهي أن أراك نائما. فقال: يا أماه والله أن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه أربي.
وعن سالم أبي بسطام قال: كان عمر بن المنكدر لا ينام الليل يكثر البكاء على نفسه فشق ذلك على أمه فقالت لأخيه محمد بن المنكدر: إن الذي يصنع عمر يشق علي فلو كلمته في ذلك. فاستعان عليه بابي حازم فقالا له: أن الذي تصنع يشق على أمك. قال: فكيف أصنع? إن الليل إذا دخل علي هالني فأستفتح القرآن وما تنقصني نهمتي فيه. قالا: فالبكاء? قال: آية من كتاب الله أبكتني قالا وما هي? قال: قوله عز وجل وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون سورة الزمر آية 47.
بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال فجاء به الرسول فوضعه بين يديه فجعل عمر ينظر إليه ويبكي ثم جاء أبو بكر فلما رأى عمر يبكي جلس يبكي لبكائه ثم جاء محمد فجلس يبكي لبكائهما. فاشتد بكاؤهم جميعا. فبكى الرسول أيضا لبكائهم ثم أرسل إلى صاحبه فأخبره بذلك فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن ليستعلم علم ذلك البكاء فجاء ربيعة فذكر ذلك لمحمد فقال محمد: سله فهو أعلم ببكائه فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي ما الذي أبكاك من صلة الأمير? قال: والله إني خشيت أن تغلب الدنيا على قلبي فلا يكون للآخرة فيه نصيب فذلك الذي أبكاني قال: وأمر بالمال فتصدق به على فقراء أهل المدينة، قال: فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك فبكى وقال: هكذا يكون والله أهل الخير رحمه الله.
سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف يكنى أبا إسحاق
ولي قضاء المدينة عن شعبة قال: كان سعد يصوم الدهر ويقرأ القرآن في كل يوم وليلة.
وعن عبيد الله بن سعد الزهري قال: قال: عمى عن أبيه، قال: سرد أبي سعد ابن إبراهيم الصوم أربعين سنة.
وعن مسعر عن سعد بن إبراهيم قال: قيل له من أفقه أهل المدينة? قال: أتقاهم لربه.
وعن ابن سعد بن إبراهيم قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يقرأ القرآن.
وعنه قال: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين لم يفطر حتى يختم القرآن وكان يفطر فيما بين المغرب والعشاء الآخرة. وكان كثيرا إذا أفطر يرسلني إلى مساكين فيأكلون معه رحمه الله.
عبد الرحمن بن أبان بن عثمان ابن عفان رحمهم الله روى عن أبيه.
كان عبد الرحمن بن أبان يشتري أهل البيت ثم يأمر بهم فيكسون ويدهنون ثم يعرضون عليه فيقول انتم أحرار لوجه الله استعين بكم على غمرات الموت. قال: فمات وهو قائم في مسجده يصلي السبحة، يعني الضحى.
ربيعة بن أبي عبد الرحمن
أن فروخا أبا عبد الرحمن أبا ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازيا وربيعة حمل في بطن أمه وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين آلف دينار. فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرسا وفي يده رمح فنزل عن فرسه ثم دفع الباب برمحه فخرج ربيعة فقال له: يا عدو الله أتهجم على منزلي? فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله أنت رجل دخلت على حرمي فتواثبا وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران فبلغ مالك بن أنس والمشيخة فأتوا يعينون ربيعة فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وجعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان وأنت مع امرأتي. وكثر الضجيج فلما بصروا بمالك: سكت الناس كلهم. فقال مالك: أيها الشيخ لك سعة في غير هذه الديار. فقال الشيخ: هي داري وأنا فروخ مولى بني فلان. فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت: هذا زوجي، وهذا ابنه الذي خلفه وأنا حامل به فاعتنقا جميعا وبكيا فدخل فروخ المنزل فقال: هذا ابني? قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي عندك وهذه معي أربعة آلاف دينار. فقالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام.
فخرج ربيعة إلى المسجد وجلس في حلقته وأتاه مالك بن أنس والحسن بن زيد وابن أبي علي اللهبي والمساحقي وأشراف المدينة وأحدق الناس به فقالت امرأته: اخرج فصل في مسجد رسول الله
وعن ابن زيد قال: مكث ربيعة دهرا طويلا عابدا يصلي الليل والنهار، فجالس القاسم فنطق بلب وعقل فكان القاسم إذا سئل عن شيء قال: سلوا هذا لربيعة.
وعن سوار بن عبد الله قال: ما رأيت أحدا أعلم من ربيعة الرأي قلت: ولا الحسن وابن سيرين? قال: ولا الحسن وابن سيرين.
وكان السفاح قد أقدم عليه ربيعة الانبار ليوليه القضاء فلم يفعل، وعرض عليه العطاء فلم يقبل.
وعن مالك قال لي ربيعة حين أراد الخروج إلى العراق: أن سمعت إني حدثتهم شيئا أو أفتيتهم فلا تعدني شيئا. فكان كما قال: لما قدمها لزم بيته فلم يخرج إليهم ولم يحدثهم بشيء حتى رجع قال مالك: لما قدم على أمير المؤمنين أبي العباس أمر له بجائزة فأبى أن يقبلها. فأعطاه خمسة آلاف درهم ليشتري بها جارية فأبى أن يقبلها.
كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يوما جالسا فغطى رأسه ثم اضطجع فبكى فقيل له: ما يبكيك? فقال رثاء ظاهر وشهوة خفية.
وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: لقد رأيت مشيخة المدينة وان لهم لغدائر وعليهم الممصر والمورد في أيديهم مخاصر، وفي أيدهم آثار الحناء في هيئة الفتيان ودين أحدهم ابعد من الثريا إذا أريد على دينه.
صفوان بن سليم الزهري مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف يكنى أبا عبد الله.
عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: عادلني صفوان بن سليم إلى مكة فما وضع جنبه في المحمل حتى رجع.
كان صفوان بن سليم في الصيف يصلي بالليل في البيت، فإذا كان الشتاء صلى في السطح لئلا ينام.
قال أبي ضمرة: رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة.
وعن أبي علقمة المديني قال: كان صفوان بن سليم لا يكاد يخرج من مسجد النبي
وعن محمد بن أبي منصور قال: قال صفوان بن سليم أعطى الله عهدا أن لا أضع جنبي على فراش حتى الحق بربي قال: فبلغني أن صفوان عاش بعد ذلك أربعين سنة لم يضع جنبه فلما نزل به الموت قيل له: رحمك الله ألا تضطجع? قال ما وفيت لله بالعهد إذا.
قال: فأسند فما زال كذلك حتى خرجت نفسه، قال: ويقول أهل المدينة، انه ثفنت جبهته من اثر السجود.
وعن أبي مروان مولى بني تميم قال: انصرفت مع صفوان بن سليم من العيد إلى منزله فجاء بخبر يابس فجاء سائل فوقف على الباب وسأل فقام صفوان إلى كوة في البيت فأخذ منها شيئا فأعطاه فاتبعت ذلك السائل لأنظر ما أعطاه. فإذا هو يقول: أعطاه الله افضل ما أعطى أحدا من خلقه فقلت ما أعطاك? قال: أعطاني دينارا.
وعن سفيان قال: جاء رجل من أهل الشام فقال: دلوني على صفوان بن سليم? فإني رأيته دخل الجنة فقلت: بأي شيء? قال: بقميص كساه إنسانا.
قال بعض إخوان صفوان: سألت صفوان عن قصة القميص قال: خرجت من المسجد في ليلة باردة فإذا رجل عريان، فنزعت قميصي فكسوته.
قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها. قال: فصلى بالناس الظهر ثم فتح باب المقصورة واستند إلى المحراب واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم عن غير معرفة فقال: يا عمر من هذا الرجل، ما رأيت سمتا أحسن منه? قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم. قال: يا غلام كيس فيه خمس مائة دينار. فآتى بكيس فيه خمس مائة دينار فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلي فوصفه للغلام حتى أثبته فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان فلما نظر إليه صفوان ركع وسجد ثم سلم واقبل عليه فقال: ما حاجتك? قال: امرني أمير المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك والي أن ادفع هذا الكيس وفيه خمس مائة دينار إليك وهو يقول: استعن بهذا على زمانك وعلى عيالك. فقال صفوان للغلام: ليس أنا بالذي أرسلت إليه. فقال له الغلام: ألست صفوان بن سليم? قال: بلى أنا صفوان بن سليم. قال: فإليك أرسلت. قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبت فهلم. فقال الغلام: فأمسك الكيس معك واذهب. قال: لا، إذا أمسكت كنت قد أخذت، ولكن اذهب فاستثبت فأنا ها هنا جالس. فولى الغلام فأخذ صفوان نعليه وخرج فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة.
أبو مصعب قال لي ابن أبي حازم: دخلت أنا وأبي نسأل عنه، يعني صفوان بن سليم وهو في مصلاه فما زال به أبي حتى رده إلى فراشه فأخبرتني مولاته أن ساعة خرجتم مات.
أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج
وعن سفيان قال: قيل لأبي حازم ما مالك? قال: ثقتي بالله عز وجل ويأسى مما في أيدي الناس.
قال أبو حازم: ما مضى من الدنيا فحلم وما بقي فأماني.
قال أبو حازم: لا يحسن عبد فيما بينه وبين الله إلا احسن الله ما بينه وبين العباد، ولا يغور فيما بينه وبين الله عز وجل إلا اعور فيما بينه وبين العباد. ولمصانعة وجه واحد أيسر من مصانعة الوجوه كلها، انك إذا صانعت هذا الوجه مالت الوجوه كلها إليك، وإذا أفسدت ما بينك وبينه شنفتك الوجوه كلها.
قال أبو حازم: إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فاحذره.
قال أبو حازم: كل نعمة لا تقرب من الله عز وجل فهي بلية.
وعن سفيان قال: قال أبو حازم: ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظا للسانه منه لموضع قدميه.
قال أبو حازم نعمة الله فيما زوي عني من الدنيا افضل من نعمته فيما أعطاني منها.
وقال أبو حازم: إن وقينا شر ما أعطينا لم نبال ما فاتنا.
قال أبو حازم: أن كان يغنيك من الدنيا ما يكفيك فأدنى عيش من الدنيا يكفيك، وان كان لا يغنيك، ما يكفيك فليس شيء يكفيك.
بعث سليمان بن عبد الملك إلى حازم فجاءه فقال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت? قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فانتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال: صدقت، فكيف القدوم على الله عز وجل? قال: إما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم: قال: اعرض نفسك على كتاب الله عز وجل فانك تعلم ما لك عند الله قال يا أبا حازم وإني أصيب ذلك? قال: عند قوله إن الأبرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم سورة الانفطار آية 14 فقال سليمان: فأين رحمة الله? قال قريب من المحسنين سورة الأعراف آية 56 قال: ما تقول فيما نحن فيه? قال. اعفني عن هذا قال سليمان: نصيحة تلقيها. قال أبو حازم: أن أناسا اخذوا هذا الأمر عنوة من غير مشاورة من المسلمين ولا اجتماع من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم? فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا شيخ. قال أبو حازم: كذبت، أن الله تعالى اخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال سليمان: أصحبنا يا حازم تصب منا ونصب منك قال: أعوذ بالله من ذلك. قال: ولم? قال أخاف أن اركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات.
قال: فاشر علي. قال: اتق الله أن يراك حيث نهاك وان يفقدك حيث أمرك. قال: يا أبا حازم ادع لنا بخير. قال: اللهم أن كان سليمان وليك فيسره للخير، وان كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته. فقال: يا غلام هات مائة دينار. ثم قال: خدها يا أبا حازم. فقال لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون لما سمعت من كلامي.
فكأن سليمان أعجب بابي حازم. فقال الزهري: انه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته قط. قال أبو حازم: انك نسيت الله فنسيتني ولو أحببت الله لأحببتني. قال الزهري: أتشتمني? قال سليمان: بل أنت شتمت نفسك. أما علمت أن للجار على جاره حقا قال أبو حازم: أن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء، تحتاج إلى العلماء وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فلما رأى ذلك قوم من أذلة الناس تعلموا ذلك العلم وأتوا به إلى الأمراء فاستغنت به عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا و لو كان علماؤنا يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم. قال الزهري كأنك إياي تريد وبي تعرض قال: هو ما تسمع.
كتب أبو حازم الأعرج إلى الزهري: عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك: أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله عليك فيما اصح من بدنك وأطال من عمرك وعملت حجج الله تعالى مما علمك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وفهمك من سنة نبيه
تجهز فقد دنا منك سفر بعيد وداو دينك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسبن إني أردت توبيخك وتعييرك وتعنيفك، ولكني أردت أن تنعش ما فات من رأيك، وترد عليك ما عزب عنك من حلمك، وذكرت قوله تعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين سورة الذاريات آية 55 أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك وبقيت بعدهم كقرن أعضب فانظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت به أو دخلوا في مثل ما دخلت فيه? وهل تراه دخر لك خيرا منعوه أو علمك شيئا جهلوه? فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا في كبر سنك ورسوخ علمك وحضور أجلك فمن يلوم الحدث قي سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله? ونحمد الذي عافانا مما ابتلاك به. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
قال أبو حازم: أن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فانه لو جاء يوم نفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا إلى كثير.
قال أبو حازم ويحك يا أعرج يدعى يوم القيامة بأهل خطيئة كذا وكذا فتقوم معهم، ثم يدعى بأهل خطيئة.
قال أبو حازم: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح.
وعن محمد بن مطرف قال: قال أبو حازم: ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد الزق به شيء يسوءك.
وعن أبي حازم قال أن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها وما خلق الله من سيئة هي عليه اضر منها، وان العبد ليعمل السيئة ثم تسوءه حين يعملها، وما خلق الله عز وجل من حسنة انفع له منه، وذلك أن العبد حين يعمل الحسنة يتجبر فيها ويرى أن له فضلا على غيره ولعل الله عز وجل يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا، وان العبد ليعمل السيئة تسوءه ولعل الله عز وجل يحدث له فيها وجلا فيلقى الله وان خوفها لفي جوفه باق.
كان أبو حازم يمر على الفاكهة فيقول: موعدك الجنة.
مر أبو حازم بجزار فقال: يا أبا حازم خذ من هذا اللحم فانه سمين قال: ليس معي درهم. قال أنظرك. قال: أنا أنظر نفسي.
وعن الفضل قال قال حازم المديني: وجدت الدنيا شيئين: فشيء منها هو لي فلن أعجله قبل اجله ولو طلبته بقوة السموات والأرض، وشيء منها هو لغيري فلم أنله، فيما مضى، ولا أرجوه فيما بقي، يمنع الذي لي من غيري كما يمنع الذي لغيري مني، ففي أي هذين افني عمري? ووجدت ما أعطيت من الدنيا شيئين فشيء يأتي اجله قبل اجلي فاغلب عليه، وشيء يأتي اجلي قبل اجله فأموت واخلفه لمن بعدي، ففي أي هذين اعصي ربي عز وجل?.
قال أبو حازم: عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كل يوم مرحلة، ويدعون أن يعلموا لدار يرحلون إليها كل يوم مرحلة????????????????.
قال أبو حازم: إني لأعظ وما أرى له موضعا وما أريد إلا نفسي، وقال: لو أن أحدكم قيل له ضع ثوبك على هذا الهوف حتى يرمى لقال: ما كنت لأخرق ثوبي، وهو يخرق دينه. وحلف أبو حازم لجلسائه: لوددت أن أحدكم يبقي على دينه كما يبقى على نعله..
قال أبو حازم أضمنوا لي اثنين أضمن لكم الجنة: عملا بما تكرهون إذا احبه الله تعالى، وترك ما تحبون إذا كرهه الله عز وجل.
قال أبو حازم يسير الدنيا يشغل عن كثير من الآخرة، وقال: ما أحببت أن يكون معك في الآخرة فقدمه اليوم، وما أكرهت أن يكون معك في الآخرة فاتركه اليوم.
وقال: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه ثم لا يضرك متى مت. وقال: انك لتجد الرجل يعمل بالمعاصي فإذا قيل له: أتحب أن تموت? قال: يقول: وكيف? وعندي ما عندي. فيقال له: أفلا تترك ما تعمل من المعاصي? فيقول: ما أريد تركه وما احب أن أموت حتى اتركه.
وقال: شيئان إذا عملت بهما أصبت بهما خير الدنيا والآخرة لا أطول عليك.
قيل: وما هما أنا أبا حازم? قال: تحمل ما تكره إذا احبه الله وتترك ما تحب إذا كرهه الله.
وعن محمد بن يحيى المازني قال: قال أبو حازم: رضي الناس من العمل بالعلم ومن الفعل بالقول.
وعن العمري قال: رأيت أبا جعفر القاري، يعني في المنام، على الكعبة فقلت له يا أبا جعفر قال: نعم اقريء إخواني مني السلام وخبرهم أن الله عز وجل جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين، واقريء أبا حازم السلام وقل له: يقول لك أبو جعفر: الكيس الكيس فان الله وملائكته يتراءون مجلسك بالعشيات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق